وطن-أثار اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران موجة غير مسبوقة من الجدل داخل الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية، بعدما اعتبر عدد من المسؤولين السابقين والخبراء أن التفاهم الجديد منح طهران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة، مقابل تنازلات أمريكية لم تحقق الأهداف التي أعلنتها واشنطن مع بداية المواجهة.
وجاء توقيع مذكرة التفاهم بين الجانبين في قصر فرساي بفرنسا، بعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر الإقليمي الذي هدد استقرار أسواق الطاقة العالمية ودفع المنطقة إلى حافة مواجهة أوسع.
وبموجب الاتفاق، تبدأ مرحلة تمتد ستين يوماً من المفاوضات الهادفة إلى التوصل لتسوية دائمة تنهي الحرب بين الطرفين، إلا أن ردود الفعل داخل الولايات المتحدة كشفت عن انقسام واضح بين مؤيدي الاتفاق ومعارضيه، على الرغم من اتفاق كثير منهم على أن الحرب كان يجب أن تنتهي.
انتقادات حادة داخل واشنطن
يرى منتقدو الاتفاق أن الإدارة الأمريكية لم تحقق الأهداف التي أعلنتها عند بدء الحرب، والتي تضمنت تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية، وفرض شروط صارمة على البرنامج النووي الإيراني.
وقال عدد من المسؤولين الأمريكيين السابقين إن الاتفاق لا يتضمن التزامات واضحة تمنع إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم مستقبلاً، كما أنه لا يفرض قيوداً نهائية على البنية النووية الإيرانية.
ويعتبر هؤلاء أن طهران نجحت في الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية، ما سمح لها بالحصول على تنازلات مهمة من واشنطن خلال المفاوضات.
مكاسب اقتصادية ضخمة لطهران
من أبرز النقاط التي أثارت الجدل في الولايات المتحدة البنود الاقتصادية الواردة في الاتفاق، والتي تشمل تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، وإعادة فتح الموانئ أمام النشاط التجاري، وبدء إجراءات الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن قيمة الأموال التي يمكن أن تستعيدها إيران قد تتجاوز مئة مليار دولار، وهو ما يعتبره منتقدو الاتفاق دفعة مالية هائلة قد تعزز قدرات الاقتصاد الإيراني بعد سنوات من العقوبات.
كما يرى مراقبون أن استئناف تصدير النفط الإيراني بشكل أوسع قد يمنح طهران موارد إضافية تساعدها على إعادة بناء البنية التحتية المتضررة من الحرب.
معركة الوقت ومضيق هرمز
لعب مضيق هرمز دوراً محورياً في الوصول إلى الاتفاق، بعدما أدى تعطّل الملاحة وتهديد إمدادات الطاقة إلى تصاعد المخاوف من أزمة اقتصادية عالمية.
وأكد خبراء أن استمرار التوتر في المضيق كان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط ويهدد استقرار الاقتصاد العالمي، ما دفع واشنطن إلى البحث عن تسوية سريعة تعيد حركة الملاحة إلى طبيعتها.
ويرى محللون أن إيران نجحت في استثمار عامل الوقت لمصلحتها، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية العالمية المتزايدة على الولايات المتحدة وحلفائها.
تحولات في مواقف دول الخليج
أظهرت الحرب وما تبعها من اتفاق تغيراً ملحوظاً في مواقف عدد من دول الخليج، التي اتجهت نحو تبني مقاربة أكثر حذراً في التعامل مع إيران.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن عدداً من العواصم الخليجية بات يفضل تعزيز الاستقرار الإقليمي وتخفيف حدة المواجهة المباشرة، خصوصاً بعد المخاوف التي أثارتها الحرب بشأن أمن الطاقة والتجارة الدولية.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات قد تؤثر مستقبلاً على شكل التحالفات الإقليمية وعلى توازن القوى في الشرق الأوسط.
هل خسرت واشنطن بالفعل؟
وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة، يؤكد بعض الخبراء أن الحديث عن هزيمة أمريكية كاملة قد يكون مبالغاً فيه، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة ما زالت القوة الدولية الأكثر نفوذاً في المنطقة، وتمتلك شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والاقتصادية.
ومع ذلك، فإن الجدل الدائر داخل واشنطن يعكس تساؤلات حقيقية حول جدوى الحرب والنتائج التي حققتها مقارنة بالتكاليف السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تكبدتها الولايات المتحدة.
وفي ظل استمرار المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يشكل الاتفاق بداية مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة ستؤجل صراعاً أكبر في المستقبل؟
اقرأ المزيد
اتفاق أمريكي إيراني من 14 بنداً.. شبكة سي إن إن تكشف مسودة “غامضة” تشمل فتح هرمز وتعهدات نووية
بعد اتفاق واشنطن وطهران.. مسؤول إسرائيلي يعترف: الحرب ربما كانت خطأ

