وطن-تحولت مناطق التعدين الأهلي عن الذهب في أقصى شمال السودان خلال الأيام الأخيرة إلى بؤرة جدل إقليمي وسياسي واسع، بعدما شهدت سلسلة من الانفجارات والغارات الجوية الغامضة التي أسفرت، وفق إفادات محلية، عن سقوط قتلى وجرحى بين المعدنين التقليديين العاملين قرب الحدود المصرية.
وتزامنت هذه التطورات مع انتشار واسع لمقاطع فيديو وصور على منصات التواصل الاجتماعي، زعم ناشروها أنها تُظهر تحركات وآليات عسكرية مصرية داخل الأراضي السودانية، ما فتح الباب أمام موجة من الاتهامات والتكهنات بشأن طبيعة ما يجري في المنطقة الغنية بالثروات المعدنية.
وبدأت القصة مع تداول تصريحات نُسبت إلى مسؤولين مصريين تحدثت عن خطط لإنشاء أكثر من مئة منجم للذهب والمعادن النفيسة في شمال السودان ضمن مشروعات استثمارية مشتركة. غير أن وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية سارعت إلى نفي هذه المزاعم بشكل رسمي، مؤكدة أن ما تم تداوله بشأن عقود استثمارية مصرية للذهب داخل السودان لا أساس له من الصحة.
لكن النفي المصري لم ينجح في إنهاء الجدل، خاصة مع تزايد التقارير القادمة من مناطق التعدين الأهلي في ولايات شمال السودان، والتي تحدثت عن تعرض مواقع تنقيب تقليدية لقصف جوي عنيف.
وأظهرت مقاطع مصورة متداولة أعمدة كثيفة من الدخان وانفجارات في محيط منطقتي جبل العقيدات والجبل الأحمر، وهما من أبرز مواقع التعدين الأهلي التي يعتمد عليها آلاف السودانيين في استخراج الذهب.
وبحسب شهادات محلية متداولة، فإن طائرات حربية وطائرات مسيرة نفذت ضربات مباشرة استهدفت تجمعات للمعدنين، فيما تحدثت روايات أخرى عن تجدد القصف في اليوم التالي، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا وزيادة حالة الذعر بين السكان والعاملين في المنطقة.
ويظل السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه بقوة: من يقف وراء هذه الغارات؟ ففي الوقت الذي تتداول فيه منصات التواصل الاجتماعي اتهامات متبادلة، اتهم تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” القوات الجوية المصرية بتنفيذ الهجمات داخل الأراضي السودانية، معتبراً أن ما حدث يمثل انتهاكاً للسيادة السودانية وتصعيداً خطيراً في المنطقة الحدودية.
في المقابل، تواصل القاهرة نفي أي علاقة لها بالهجمات أو بالادعاءات المتداولة بشأن وجود عمليات عسكرية مصرية داخل السودان، كما لم تُنشر حتى الآن أي أدلة مستقلة أو نتائج تحقيقات رسمية قادرة على تأكيد هوية الجهة المسؤولة عن القصف.
ويرى مراقبون أن أهمية المنطقة المستهدفة قد تكون عاملاً رئيسياً في تصاعد التوتر، إذ تقع الغارات المزعومة في نطاق يُعرف باحتوائه على كميات كبيرة من الذهب والمعادن النفيسة، ما جعل بعض المحللين يربطون بين الصراع الدائر في السودان والتنافس على الموارد الطبيعية والثروات الاستراتيجية.
كما أن قرب المنطقة من الحدود المصرية أضفى بعداً إقليمياً على القضية، خصوصاً في ظل الحساسية السياسية والأمنية التي تحيط بالعلاقات بين الأطراف الفاعلة في السودان خلال المرحلة الحالية.
ومع غياب تحقيقات مستقلة ونتائج رسمية حاسمة، تبقى الروايات المتداولة بشأن الجهة المنفذة للقصف في إطار الاتهامات المتبادلة والتقارير غير المؤكدة. وبين نفي القاهرة واتهامات خصومها، تستمر الأسئلة معلقة حول حقيقة ما جرى في “جبال الذهب” السودانية، ومن المستفيد من تحويل مناطق التعدين إلى ساحة صراع مفتوحة.
وفي انتظار ظهور حقائق موثقة، يبقى المؤكد أن الدماء التي سقطت في مناطق التعدين أعادت تسليط الضوء على التداخل المعقد بين الثروات الطبيعية والصراعات السياسية والأمنية في السودان، حيث قد تتحول مناجم الذهب من مصدر للرزق إلى نقطة اشتعال جديدة في منطقة تعاني أصلاً من أزمات متلاحقة.
اقرأ المزيد
من ركام دارفور إلى أستار الكعبة.. هل يمحو “حج سافانا” خطايا دماء السودانيين وجرائم الدعم السريع؟

