وطن-في ظل تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم، أعلنت جمهورية التشيك استعدادها للمساهمة في حماية حرية الملاحة وتأمين حركة التجارة عبر هذا الشريان الحيوي، رغم أنها دولة لا تملك قوات بحرية بسبب موقعها الجغرافي في قلب أوروبا.
وقالت شبكة “فوكس نيوز ديجيتال“، في مقابلة حصرية أجرتها مع وزير الخارجية التشيكي بيتر ماكينكا على هامش اجتماعات مرتبطة بمجلس الأمن في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، إن براغ بدأت بالفعل مناقشات بشأن تقديم قدرات متخصصة لدعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين مضيق هرمز، وسط مخاوف متزايدة من تهديدات إيران للملاحة الدولية.
وأكد ماكينكا أن بلاده «مستعدة للمساهمة في حرية المرور وتجارة هرمز»، مضيفاً أن التشيك كانت من أوائل الدول التي أبدت استعدادها للمشاركة. وقال: «نحن لا نملك بحراً، فنحن في وسط أوروبا، لكن لدينا قدرات فريدة في مجال المراقبة السلبية يمكن أن نساهم بها».
وبحسب ما أوردته “فوكس نيوز ديجيتال”، فإن تصريحات وزير الخارجية التشيكي تأتي في وقت تضغط فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين للعب دور أكبر في حماية خطوط الشحن الدولية، خصوصاً مع تصاعد التهديدات الإيرانية المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، باعتباره الممر الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب.
وحذر ماكينكا من أن إيران تمثل تهديداً عالمياً من خلال ما وصفه بـ«أربع أدوات حرب» تستخدمها طهران، وهي: الانتشار النووي، والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، والإرهاب الدولي، والتهديدات الموجهة إلى مضيق هرمز. وشدد على أن «البرنامج النووي العسكري الإيراني يجب أن يتوقف»، معتبراً أنه يشكل «خطراً وتهديداً عالمياً».
وأضافت “فوكس نيوز ديجيتال” أن الموقف التشيكي ينسجم إلى حد كبير مع توجهات إدارة ترامب في ملفات الأمن الدولي، وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، وإسرائيل، حيث بدا وزير الخارجية التشيكي واضحاً في دعمه لواشنطن، سواء في مواجهة إيران أو في مطالبها المتكررة بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قد وجّه انتقادات مباشرة إلى بعض الحلفاء الأوروبيين، عقب اجتماع مع وزراء خارجية في السويد، متسائلاً عن جدوى استضافة قواعد عسكرية أمريكية في دول حليفة إذا كانت تلك الدول تقيد استخدام هذه القواعد خلال النزاعات. وقال روبيو للصحفيين إن إحدى الحجج الرئيسية لوجود هذه القواعد أنها تمنح واشنطن خيارات لوجستية لا يمكن الحصول عليها بطرق أخرى، مضيفاً أنه عندما تُمنع هذه القواعد عن الولايات المتحدة في أوقات الصراع، يصبح من المشروع التساؤل عن قيمتها.
وكشفت “فوكس نيوز ديجيتال” أن الرئيس دونالد ترامب صعّد بدوره لهجته تجاه الحلفاء في الناتو بسبب ترددهم في الانخراط في العمليات العسكرية المرتبطة بالصراع مع إيران وتأمين مضيق هرمز. ووفقاً لمقابلة أجراها مع صحيفة ديلي تلغراف البريطانية في الأول من أبريل، قال ترامب إنه «يفكر بجدية» في سحب الولايات المتحدة من حلف الناتو، بعدما لم يشارك الحلفاء في الحملة الأمريكية ضد إيران، واصفاً التحالف بأنه «نمر من ورق».
وتعد جمهورية التشيك عضواً في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1999، وقد حققت هدف الحلف المتعلق بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. كما دعمت براغ الدعوات الرامية إلى تعزيز الجاهزية العسكرية الأوروبية، خاصة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية وما أفرزته من تحديات أمنية واسعة على القارة.
وقال ماكينكا، بحسب “فوكس نيوز ديجيتال”، إن أوروبا مطالبة بالقيام بـ«واجبها» وبناء قدراتها الدفاعية كي تصبح أقوى وأقل اعتماداً على واشنطن في الضمانات الأمنية بعيدة المدى. واعتبر أن القارة الأوروبية تأخرت طويلاً في تنفيذ الاستثمارات العسكرية الضرورية، وأن هذا التأخير لم يعد قابلاً للاستمرار في ظل التهديدات الحالية.
وربط وزير الخارجية التشيكي بين تحديات الإنفاق الدفاعي الأوروبي وسياسات «الصفقة الخضراء» في الاتحاد الأوروبي، وهي الحزمة المناخية الواسعة التي تهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية. ووصف هذه السياسات بأنها ذات طابع أيديولوجي ومكلفة مالياً، قائلاً: «إذا تخلصنا من هذا الهلع الأخضر المجنون، فسيكون لدينا ما يكفي من المال لبناء دفاعاتنا».
وفي حديثه مع “فوكس نيوز ديجيتال”، عبّر ماكينكا عن دعم صريح لإدارة ترامب، مشيداً بما اعتبره تحولاً عالمياً نحو «الفطرة السليمة» بعد فوز ترامب في الانتخابات. وقال: «نحن أصدقاء لإسرائيل، وأصدقاء لأمريكا، وبالنسبة لي كسياسي، فأنا صديق لأيديولوجية الإدارة الأمريكية الحالية».
وأشار الوزير التشيكي أيضاً إلى مواجهة سياسية وقعت في وقت سابق من عام 2026 مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون خلال مؤتمر ميونخ للأمن، حيث انتقد ماكينكا التيار الليبرالي السياسي في أوروبا، ودافع عن الموجة الشعبوية التي تعيد تشكيل أجزاء من المشهد السياسي في أوروبا والولايات المتحدة.
وفي ملف أوكرانيا، أوضحت فوكس نيوز ديجيتال أن ماكينكا ربط الدعم التشيكي القوي لكييف بالتجربة التاريخية التي عاشتها تشيكوسلوفاكيا عام 1968، عندما اجتاحت قوات حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي البلاد، واستمرت في احتلالها لأكثر من عقدين. وقال إن هذه التجربة ما زالت تؤثر بعمق في الرأي العام التشيكي وتفسر حجم التضامن الشعبي مع أوكرانيا.
ووصف وزير الخارجية التشيكي الحرب في أوكرانيا بأنها «حرب متماثلة» بين جيش روسي قوي وجيش أوكراني مدعوم من الغرب، مؤكداً أن المجتمع التشيكي يشعر بتضامن كبير مع الأوكرانيين في مواجهة الغزو الروسي.
وسلط ماكينكا الضوء على الدور الذي تلعبه براغ في مبادرة الذخيرة المدعومة من التشيك، والتي تهدف إلى تزويد أوكرانيا بقذائف مدفعية يتم جمعها عبر جهود دولية يشارك فيها مانحون من عدة دول. وأشار إلى أنه خلال زيارة أجراها إلى كييف في وقت سابق من عام 2026، تلقى إحاطات استخباراتية من مسؤولين عسكريين أوكرانيين بشأن معدلات استهلاك الذخيرة في ساحة المعركة.
وبحسب ما نقلته “فوكس نيوز ديجيتال” عن وزير الخارجية التشيكي، فقد ساهمت المبادرة التشيكية في إيصال أكثر من نصف مليون طلقة ذخيرة إلى أوكرانيا خلال عام 2026 وحده، وهو ما ساعد، بحسب قوله، في تثبيت خطوط القتال قبل أي مفاوضات سلام محتملة.
وشدد ماكينكا على أن الحفاظ على جبهة مستقرة يعد أمراً ضرورياً لأي مفاوضات ذات معنى، محذراً من أن تحرك خطوط القتال باستمرار سيؤدي إلى تشدد مطالب الطرفين، ويجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.
ومع انشغال واشنطن بشكل متزايد بملف الشرق الأوسط، خصوصاً التوتر مع إيران وأمن مضيق هرمز، قال وزير الخارجية التشيكي إن على أوروبا أن تبدأ في لعب دور دبلوماسي أكبر في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بأوكرانيا. ويرى ماكينكا أن القارة الأوروبية لا تستطيع الاكتفاء بدور المساند، لأنها الجار المباشر للحرب والمتأثر الأول بتداعياتها الأمنية والاقتصادية.
وتعكس تصريحات ماكينكا، كما أوردتها فوكس نيوز ديجيتال، تحولاً أوسع في نقاشات الأمن الأوروبي، حيث تتقاطع ملفات مضيق هرمز وإيران والناتو وأوكرانيا ضمن معادلة واحدة عنوانها تقاسم الأعباء بين واشنطن وحلفائها. وبينما تطالب إدارة ترامب الأوروبيين بتحمل مسؤوليات أكبر، تحاول دول مثل التشيك تقديم نفسها شريكاً أمنياً فاعلاً، حتى من دون امتلاك أسطول بحري، عبر قدرات مراقبة واستخبارات يمكن أن يكون لها دور في حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
اقرأ المزيد
تفكك الغرب؟ كيف تحولت الحرب مع إيران إلى “مسمار في نعش” العلاقة بين واشنطن وأوروبا
بخلاف عواصم برلين وبروكسل.. لماذا يرى الرئيس الصربي في ترامب “صانع سلام”؟
“دبلوماسية اللا”: كيف فكك حلفاء واشنطن شيفرة التعامل مع ترامب دون خسائر؟

