وطن-تبدو المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة أمام لحظة حاسمة، بعدما تحدثت باكستان، التي تؤدي دور الوسيط، عن التوصل إلى نص نهائي لاتفاق سلام، في وقت عرضت فيه سويسرا استضافة مراسم التوقيع إذا وافق الطرفان. ويأتي ذلك وسط سباق واضح بين طهران وواشنطن لتقديم الاتفاق المحتمل باعتباره انتصاراً سياسياً لكل طرف، خصوصاً في ملفات البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، والأصول الإيرانية المجمدة.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن إيران قدّمت، الجمعة، أوضح إشارة حتى الآن إلى أنها باتت قريبة من توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترى أن توقيع المذكرة سيطلق مرحلة مفاوضات “فنية” تمتد 60 يوماً.
وكتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن “مذكرة تفاهم إسلام آباد لم تكن أقرب إلى الإنجاز مما هي عليه الآن”، داعياً وسائل الإعلام إلى تجنب التكهن بمضمونها إلى حين الانتهاء من صيغتها النهائية. ولفت الموقع البريطاني إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعاد نشر تصريحات عراقجي، في مؤشر إضافي إلى أهمية اللحظة السياسية التي تمر بها المفاوضات.
وبحسب ما أوردته وكالة مهر الإيرانية للأنباء، فإن الاتفاق المطروح من شأنه أن يضمن الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، وأن يرسخ سيطرة إيران على مضيق هرمز، وهو الممر البحري الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية.
لكن ترامب سارع إلى نفي الرواية الإيرانية بشأن تفاصيل الاتفاق. وقال في منشور على منصته “تروث سوشيال” إن “الشروط التي سربتها إيران إلى الأخبار الكاذبة لا علاقة لها بالشروط التي تم الاتفاق عليها كتابة”، مضيفاً بلهجة حادة: “إنهم أشخاص غير مشرفين في التعامل، ومن الأفضل لهم أن يرتبوا أوضاعهم وبسرعة”.
ووفقاً لما ذكره “ميدل إيست آي”، فإن الخلاف لم يعد محصوراً في مضمون الاتفاق فقط، بل امتد إلى طريقة تقديمه للرأي العام، إذ يحاول كل طرف تثبيت سرديته الخاصة قبل التوقيع المحتمل، لا سيما في الملفات الأكثر حساسية مثل العقوبات النفطية، والأموال المجمدة، ودور إيران الإقليمي، ومستقبل مضيق هرمز.
وفي السياق نفسه، نقلت وكالة رويترز عن مصدر إيراني رفيع تأكيده لما أوردته وكالة مهر، قائلاً إن مسودة الاتفاق تنص على رفع العقوبات عن النفط الإيراني، والإفراج عن مليارات الدولارات من أموال إيران المجمدة، ووقف الأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام عن مسؤول كبير في إدارة ترامب أن إيران وافقت على خمس نقاط رئيسية، من بينها تدمير موادها النووية داخل البلاد ثم إخراجها لاحقاً. وأوضح المسؤول الأميركي أن الأموال الإيرانية المجمدة لن يتم الإفراج عنها إلا بعد تنفيذ شروط الاتفاق، وأن مضيق هرمز سيُعاد فتحه، إلى جانب التزام إيران بعدم تمويل حلفائها في الشرق الأوسط، وفي مقدمتهم حزب الله.
وأضاف المسؤول الأميركي، بحسب ما نقل موقع ميدل إيست آي، أن الاتفاق “قائم على الأداء”، قائلاً: “هذا ما وافقوا عليه، إنه اتفاق مرتبط بالتنفيذ”. وتكشف هذه التصريحات حجم التباين بين الروايتين الإيرانية والأميركية، رغم الحديث المتزايد عن اقتراب التوقيع.
ودخل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على خط “حرب الروايات”، قائلاً في منشور على منصة “إكس” إنه يرى “الكثير من المعلومات الزائفة” حول اتفاق محتمل لإعادة فتح المضيق وإنهاء برنامج إيران للأسلحة النووية. وأضاف: “أولاً، الإيرانيون لن يحصلوا على أي أموال نقدية، ولن يتم الإفراج عن أي أموال لمجرد توقيع اتفاق أو حضور اجتماع”.
وعلى الرغم من الخلاف الكبير بشأن التفاصيل، فإن نقطة مشتركة برزت في التصريحات الأميركية والإيرانية، وهي أن وقف إطلاق النار سيشمل لبنان. ووفقاً لما ذكره ميدل إيست آي، فإن إسرائيل كثفت ضرباتها على لبنان ودفعت بقواتها إلى عمق أكبر داخله، بينما أصرت إيران منذ بداية المفاوضات على أن يكون لبنان جزءاً من أي ترتيبات لوقف إطلاق النار.
وفي ظل هذا الجدل، جاءت التصريحات الباكستانية لتمنح المفاوضات دفعة قوية. فقد أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عبر منصة “إكس” أنه “يمكننا تأكيد التوصل إلى نص نهائي متفق عليه لاتفاق السلام”. وأضاف أن باكستان تعمل عن كثب مع الجانبين لوضع اللمسات الأخيرة على الخطوات المقبلة، قائلاً: “السلام لم يكن قريباً كما هو الآن”.
وأشار موقع “ميدل إيست آي” إلى أن الأسواق تفاعلت سريعاً مع الأنباء الإيجابية، إذ تراجعت أسعار النفط وارتفعت الأسهم، وسط آمال بأن تدخل إيران والولايات المتحدة في مفاوضات أوسع لتسوية الخلافات، خصوصاً بشأن البرنامج النووي الإيراني ومصير مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو ربع إمدادات الطاقة العالمية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قال، الخميس، إن الطرفين اقتربا من التوصل إلى اتفاق، وإن مراسم التوقيع قد تُعقد في أوروبا. غير أن الموقع البريطاني أشار إلى أن ترامب أطلق تصريحات مشابهة مرات عدة في السابق، قبل أن تتراجع الآمال في اللحظات الأخيرة وتتبدد فرص الاتفاق.
لكن التطور الأبرز هذه المرة جاء من سويسرا، حيث أعلنت وزارة الخارجية السويسرية، الجمعة، أنها على اتصال بكل من الولايات المتحدة وإيران، وأنها “اقترحت أن تكون سويسرا مكاناً محتملاً للتوقيع، إذا وافقت الأطراف على ذلك”. ويعكس هذا الإعلان، بحسب مراقبين، تقدماً ملموساً في الاتصالات الدبلوماسية، حتى وإن ظلت التفاصيل النهائية موضع تفاوض.
ونقل “ميدل إيست آي” عن مسؤول أميركي كبير قوله للصحفيين إن الطرفين قريبان من “توقيع هذا الاتفاق خلال الأيام المقبلة”. وأضاف المسؤول: “لو طلبتم مني صباح اليوم تقدير نسبة الثقة في توقيع الاتفاق، لقلت ربما 75%، أما الآن فهي أقرب إلى 80 أو 85%، لكنها ليست 100%”.
وبين التفاؤل الباكستاني، والحذر الأميركي، والسردية الإيرانية التي تتحدث عن مكاسب اقتصادية وسياسية كبيرة، يبقى اتفاق إيران والولايات المتحدة أمام اختبار الصياغة النهائية والتنفيذ. غير أن عرض سويسرا استضافة التوقيع، وتأكيد إسلام آباد أن النص النهائي بات جاهزاً، يجعلان الساعات المقبلة حاسمة في مسار أزمة طالما أثرت في أمن الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية.
اقرأ المزيد
ترامب يعلن التوصل إلى تسوية مع إيران.. ومؤشرات متزايدة على اتفاق لوقف الحرب
من قلب طهران.. إيرانيون ينددون بقمع الحرس الثوري والفقر ويدعون ترامب لمواصلة الضغط.
ترامب يعلن التوصل إلى تسوية مع إيران.. ومؤشرات متزايدة على اتفاق لوقف الحرب

