وطن-بينما كانت معظم دول الخليج تنخرط بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، اختارت سلطنة عُمان مساراً مختلفاً قوامه الحياد والدبلوماسية. واليوم، وبعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، يرى مراقبون ودبلوماسيون أن مسقط خرجت من الأزمة باعتبارها أحد أكبر المستفيدين من التحولات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة.
ووفقاً لتقرير نشره موقع “ميدل إيست آي“، فإن عُمان، التي تعرضت خلال الحرب لانتقادات وضغوط أميركية بسبب موقفها المتوازن تجاه إيران، وجدت نفسها في موقع متقدم داخل النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل في الخليج والشرق الأوسط.
من التهديد الأميركي إلى المكاسب السياسية
خلال الحرب، كانت عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي وجّه إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديدات مباشرة، بعدما رفضت مسقط الانضمام إلى حملة الضغوط على إيران أو التنديد بمواقفها المتعلقة بمضيق هرمز.
وبحسب مسؤولين أميركيين تحدثوا للموقع، أثار الموقف العُماني غضب ترامب الذي اعتبر أن مسقط لم تتجاوب مع الجهود الأميركية الرامية إلى عزل إيران سياسياً وإعلامياً.
وعلى الرغم من الضغوط، تمسكت القيادة العُمانية بسياسة التوازن والحوار، وهو ما اعتبره خبراء اليوم أحد أسباب نجاحها في تعزيز نفوذها الإقليمي.
وقال أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة برينستون برنارد هيكل إن «الموقف العُماني الذي كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره استثناءً داخل الخليج، أصبح الآن النموذج الذي تسعى دول أخرى إلى اتباعه في تعاملها مع إيران».
تحول خليجي نحو التفاهم مع إيران
أظهرت الحرب الأخيرة حدود الرهان الخليجي على المواجهة مع طهران، خصوصاً بعد أن أثبتت إيران قدرتها على التأثير في أمن المنطقة وممراتها الحيوية.
ووفقاً للتقرير، بدأت عدة دول خليجية، من بينها السعودية والكويت والإمارات، بإعادة ترتيب علاقاتها مع إيران والبحث عن تفاهمات أمنية واقتصادية معها.
وقال أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد فواز جرجس إن السؤال الرئيسي في المنطقة لم يعد مرتبطاً بمسار التطبيع مع إسرائيل، بل بمدى استعداد دول الخليج للتعايش مع النفوذ الإيراني والتفاهم معه.
وأضاف أن عُمان كانت الدولة الخليجية الأولى التي تبنت هذا النهج، بينما بدأت بقية الدول الآن بالسير في الاتجاه ذاته.
مضيق هرمز يمنح عُمان ثقلاً استثنائياً
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن الحرب الأخيرة عززت إدراك الجميع لحقيقة أساسية مفادها أن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالمضيق لا يمكن أن تتم دون موافقة كل من إيران وعُمان، باعتبارهما الدولتين الوحيدتين المطلتين عليه مباشرة.
ويرى خبراء قانونيون أن مسقط قد تستفيد مستقبلاً من ترتيبات تنظيم الملاحة البحرية أو الخدمات الملاحية داخل المضيق، ما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً إضافياً.
وقال برنارد هيكل إن أي صيغة جديدة لإدارة الملاحة في هرمز ستمنح عُمان دوراً أساسياً وتأثيراً كبيراً في القرارات المتعلقة بأحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ارتفاع إيرادات النفط والغاز
اقتصادياً، استفادت السلطنة من الحرب بصورة مباشرة. فقد ارتفعت الإيرادات الحكومية العُمانية بنسبة 13% خلال فترة الحرب نتيجة زيادة صادرات النفط والغاز، مستفيدة من موقع منشآتها النفطية الرئيسية خارج مضيق هرمز.
كما عززت السلطنة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة المرتبطة بصناعة الغاز، في وقت شهدت فيه الأسواق العالمية اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد.
وقال مسؤول عُماني للموقع إن بلاده تمكنت من الحفاظ على دورها كمصدر موثوق للطاقة والغذاء خلال الأزمة، بفضل موقعها الجغرافي وسياساتها المتوازنة.
موانئ عُمان تستعد لمرحلة ازدهار جديدة
ومن أبرز المكاسب التي حققتها السلطنة الارتفاع الكبير في حركة الموانئ البحرية. فقد شهد ميناء صحار زيادة هائلة في طلبات تغيير مسارات السفن بلغت نحو 1766% خلال الحرب، بينما ارتفعت الحركة في ميناء صلالة بنسبة تجاوزت 800%، بحسب بيانات شركة «ويندوارد» المتخصصة في الاستخبارات البحرية.
ويرى محللون أن دول الخليج ستسعى خلال السنوات المقبلة إلى تطوير مشاريع لوجستية وأنابيب نقل جديدة تقلل اعتمادها على مضيق هرمز، ما يمنح الموانئ العُمانية أهمية استراتيجية متزايدة.
كما تواصل الإمارات وعُمان تنفيذ مشروع خط السكك الحديدية الذي يربط الموانئ العُمانية بالأسواق الخليجية، بينما تدرس الكويت والسعودية مشاريع إضافية مرتبطة بالبنية التحتية والطاقة داخل السلطنة.
وسيط لا يمكن الاستغناء عنه
وعلى الرغم من استبعاد عُمان من بعض مراحل المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، يؤكد دبلوماسيون غربيون وعرب أن مسقط ستظل طرفاً لا غنى عنه في أي ترتيبات مستقبلية بالمنطقة.
فقد لعبت السلطنة خلال العقدين الماضيين دور الوسيط الرئيسي في عدد من الملفات المعقدة، من الاتفاق النووي الإيراني إلى قنوات الاتصال غير المباشرة بين واشنطن وجماعة الحوثي في اليمن.
وترى الباحثة في المعهد الأوروبي للسلام آنا جاكوبس أن الولايات المتحدة قد تختلف مع عُمان في بعض الملفات، لكنها ستحتاج عاجلاً أم آجلاً إلى خبرتها الدبلوماسية وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية.
شرق أوسط جديد وعُمان في قلبه
تكشف نتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عن تحول عميق في موازين القوى الإقليمية. ففي الوقت الذي راهنت فيه دول عدة على التصعيد والمواجهة، اختارت عُمان نهج التهدئة والحوار والحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف.
ومع تزايد أهمية مضيق هرمز، وارتفاع قيمة الموانئ العُمانية، وتعاظم الحاجة إلى وسطاء موثوقين في المنطقة، تبدو مسقط اليوم في موقع يسمح لها بتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية قد تجعلها أحد أبرز الرابحين من مرحلة ما بعد الحرب.
اقرأ المزيد
إعادة فتح مضيق هرمز.. الأسواق تترقب انفراجة نفطية كبرى وسط حذر من تخمة المخزونات
ترامب: إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً بموجب الاتفاق الجديد ولن ندفع أموالاً لطهران
إسرائيل تواجه اتفاق ترامب وإيران بحذر وانتقادات.. مخاوف من تداعياته على لبنان والبرنامج النووي

