وطن-في الوقت الذي تصدّر فيه احتجاز القوات الإسرائيلية ناشطين على متن «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى غزة عناوين الأخبار خلال الأيام الماضية، كانت الذراع البرية للحملة نفسها تواجه أزمة أكثر تعقيداً على بعد نحو ألفي كيلومتر غرب القطاع، بعدما تحولت رحلتها عبر ليبيا إلى سلسلة من المداهمات والاعتقالات وانقطاع قنوات التواصل.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن أكثر من 200 ناشط ضمن «قافلة الصمود العالمية» دخلوا منطقة 5+5 الأمنية قرب مدينة سرت الليبية، وهي منطقة حساسة أُنشئت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، أملاً في التفاوض على ممر آمن يسمح لهم بمواصلة الطريق نحو معبر رفح ثم قطاع غزة المحاصر.
وبعد أيام من التخييم داخل المنطقة، وصلت قوات مسلحة إلى موقع القافلة وقامت بتفكيك المخيم، قبل أن يُعاد معظم المشاركين قسراً إلى طرابلس تحت حراسة مسلحة. غير أن 10 ناشطين دوليين ظلوا محتجزين لدى السلطات الليبية، وهم من إسبانيا وبولندا والولايات المتحدة والأرجنتين وأوروغواي والبرتغال وتونس وإيطاليا.
ونقلت الصحيفة عن الناشطة جيسيكا بريكي، التي تحدثت إليها بعد عودتها إلى منزلها في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، قولها إن مغادرة ليبيا كانت صعبة للغاية بينما بقي عدد من رفاق القافلة قيد الاحتجاز. وأضافت: «لم نكن نريد أن نغادر من دونهم. كنا نشعر دائماً أننا في هذا معاً، وأن القافلة تتحرك كجسد واحد. أسوأ ما في تفكيك المخيم وإجبارنا على العودة أننا عدنا من دونهم».
وأعلنت وزارة الخارجية في الحكومة الليبية بشرق البلاد، يوم الثلاثاء، أن غير الليبيين وغير المصريين لن يُسمح لهم بعد الآن بمواصلة السفر نحو مصر. وقالت الوزارة إن «الجهات المختصة في المنطقة الشرقية تعاملت مع الأمر في إطار المسؤولية القانونية والإنسانية»، مؤكدة أن جميع المعنيين «يتلقون الرعاية اللازمة والمتابعة الطبية والإنسانية».
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، شددت الوزارة في بيانها على أن ليبيا تؤكد دعمها للقضية الفلسطينية، لكنها اعتبرت أن «احترام السيادة الوطنية واللوائح القانونية المنظمة لحركة الأفراد عبر الحدود أمر غير قابل للتفاوض».
ورغم إشادة عدد من المشاركين بحماس منظمي القافلة وسعيهم لكسر الحصار المفروض على غزة، رأى آخرون أن الرحلة كانت تعاني خللاً واضحاً منذ بدايتها، خصوصاً في ما يتعلق بالتخطيط الأمني والتعامل مع احتمالات الاعتقال أو المواجهة مع القوى المسيطرة في شرق ليبيا.
وقال فيليبي، وهو ناشط تشيلي من أصول فلسطينية يبلغ من العمر 29 عاماً وشارك سابقاً في أساطيل بحرية متجهة إلى غزة، إن القافلة تتحمل جزءاً من المسؤولية عما حدث. وأوضح للصحيفة أنه خلال إقامة استمرت أسبوعين في طرابلس، أصبح واضحاً أن الاستعدادات لم تكن كافية لاحتمال الصدام مع «القيادة العامة» التي يقودها خليفة حفتر وتسيطر على شرق ليبيا.
وأضاف فيليبي: «إذا لم نكن قادرين على العبور من شرق ليبيا، لم يكن ينبغي أن نواصل الضغط عليهم، لأن ذلك كان سيحوّل السردية من إسرائيل إلى ليبيا». وتابع: «كنا ننتظر في الصحراء تسعة أيام من دون أن نفعل شيئاً».
وتشير خلفية الأزمة إلى تعقيدات المشهد الليبي نفسه؛ إذ ما تزال البلاد منقسمة إلى حد كبير منذ الإطاحة بالزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011 بدعم من حلف شمال الأطلسي. ويسيطر حفتر وحلفاؤه على شرق ليبيا، بدعم من الإمارات ومصر، بينما تدير حكومة معترف بها من الأمم المتحدة شؤون غرب البلاد من العاصمة طرابلس.
وقالت “ميدل إيست آي” إن مسار القافلة، منذ انطلاقها من موريتانيا مروراً بشمال إفريقيا، كان في معظمه هادئاً قبل دخول ليبيا الشرقية. وقد أطلق المبادرة ناشطون من شمال إفريقيا، قبل أن ينضم إليهم مشاركون دوليون، وضمت القافلة سبع سيارات إسعاف، و20 منزلاً متنقلاً، و10 شاحنات مساعدات، إضافة إلى أطباء ومهندسين ومربين ومراقبين قانونيين.
وكان القائمون على القافلة يأملون في تقديم دعم عملي وملموس لسكان غزة، يتجاوز الطابع الرمزي الذي ارتبط غالباً بقوافل وأساطيل المساعدات البحرية. لكن محاولة العبور نحو شرق ليبيا أوقفت تلك الخطط بالكامل.
وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن محاولات التفاوض من أجل استكمال الطريق يوم الأحد انتهت باعتقال فريق التفاوض. وفي اليوم التالي، وصل عناصر أمن إلى مخيم القافلة وأجبروا النشطاء المتبقين، تحت تهديد السلاح، على الصعود إلى الحافلات، فيما أُطلقت قنابل غاز مسيل للدموع باتجاه مسجد قريب كان عدد من المشاركين يحتمون داخله.
ولم تتضح الجهة التي يتبع لها عناصر الأمن الذين شاركوا في تفكيك المخيم. وقالت جيسيكا بريكي إن المشاركين لم يتلقوا في أي لحظة «ضوءاً أحمر أو أخضر واضحاً» من جانب حفتر، بل كانت الأمور تبدو كأنها مفاوضات مفتوحة ومستمرة. وأضافت أن الهلال الأحمر الليبي كان منخرطاً في المشهد، وأن المنظمين حاولوا إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
وأكدت بريكي أن ما حدث في سرت كان مختلفاً تماماً عن الاستقبال الحار الذي لقيته القافلة خلال رحلتها من طرابلس، حيث أبدى السكان المحليون دعماً واضحاً لحملتهم من أجل غزة. لكنها انتقدت، كما فعل منظمون آخرون، دور الهلال الأحمر، قائلة إنه أعلن دعمه العلني للقافلة ثم «اختفى من المشهد» ولم يحضر المفاوضات مع ممثلي حفتر. وأضافت: «من الغريب أن ننظر إلى الوراء ونتذكر أننا كنا في وقت من الأوقات متفائلين جداً».
وتأتي هذه التطورات في ظل سجل مثير للجدل للقوات الموالية لحفتر، إذ اتهمت منظمات حقوقية «القيادة العامة» وحلفاءها بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وجرائم حرب. وقالت منظمة العفو الدولية إن تحالف القوات المسلحة والجماعات المتحالفة معه في ليبيا فرض قيوداً شديدة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، واستهدف منتقدين حقيقيين أو مفترضين لحفتر.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن سارة هاشاش، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، قولها إن الليبيين، إلى جانب اللاجئين والمهاجرين المحتجزين لدى قوات حفتر، يواجهون خطر التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز المطول وسط انتهاكات صارخة للإجراءات القانونية الواجبة.
ورغم تطمينات السلطات في شرق ليبيا، تصاعد قلق أصدقاء الناشطين المحتجزين بشأن ظروف احتجازهم ومدة بقائهم رهن التوقيف. كما أدى تزامن الأزمة مع عيد الأضحى، وفق تقارير نقلتها الصحيفة، إلى إبطاء المساعي وتقليص فرص التواصل.
وفي تطور لاحق، قال فيليبو كولومبو، القنصل العام الإيطالي في بنغازي، يوم الخميس، إنه زار المواطنين الإيطاليين المحتجزين في ثكنة للشرطة شرقي ليبيا. وبعد محادثات مع السلطات، أفادت الجهات الليبية بأنها وافقت على تحسين بعض ظروف الاحتجاز، من بينها السماح للموقوفين بالاستحمام وتغيير الملابس وتوفير أماكن إقامة أفضل، لكنها لم تقدم بعد معلومات واضحة بشأن إجراءات ترحيل محتملة.
وقال فيليبي إن المشاركين فقدوا تدريجياً التركيز على الهدف الأصلي، وهو الوصول إلى غزة. وأشار إلى أن القافلة كانت تخيم في محطة وقود مهجورة مليئة بآثار الرصاص، سبق أن استخدمها تنظيم داعش، معتبراً أن بعض المشاركين لم يدركوا طبيعة المكان الذي يوجدون فيه ولا خطورة الموقف.
وأضاف أنه بعد اعتقال عدد من النشطاء، كان ينبغي للقافلة مغادرة المنطقة والتوجه إلى مدينة مصراتة، لأنها لم تكن تملك الموارد ولا أوراق الضغط اللازمة للتأثير في مجريات الأحداث. وتابع: «في اليوم السابق للمداهمة، عندما قرروا التوجه إلى حدود شرق ليبيا، لم تتم دعوتي إلى الاجتماع لأنني كنت أوجّه انتقادات. كانت خطتهم أساساً إقامة مخيم دائم أو تنفيذ إضراب عن الطعام على الحدود».
وقال فيليبي، في تصريح نقلته ميدل إيست آي، إن التجربة جعلته يعيد النظر في جدوى قوافل المساعدات البرية، مضيفاً: «خاطر شعبنا بحياته من أجل إنهاء الحصار على غزة. جئنا إلى هنا وخاطرنا بحياتنا من أجل لا شيء».
وترى الصحيفة أنه بعد ما جرى خلال الأسابيع الماضية، بات من الصعب تصور السماح لقوافل مماثلة بالعبور الآمن عبر ليبيا للوصول إلى معبر رفح في مصر. وتزداد الصورة تعقيداً في ظل تقارير سابقة عن إبداء خليفة حفتر، خلال السنوات الأخيرة، استعداداً لبناء علاقات مع إسرائيل، إضافة إلى زيارات سرية قيل إنه أجراها للقاء مسؤولين إسرائيليين. ولم يتضح ما إذا كانت هذه المعطيات قد أثرت في موقفه من نشطاء المساعدات المتجهين إلى غزة.
وقالت إستيل ألمان، الباحثة القانونية في مجموعة «مينا رايتس»، إن القيود الجديدة التي فرضتها سلطات حفتر «تمثل محاولة مقلقة للغاية لاستخدام مراقبة الحدود كسلاح ضد التضامن الإنساني مع الفلسطينيين». وأضافت للصحيفة أن تقييد حركة نشطاء قوافل المساعدات تحت غطاء سياسات السفر يثير مخاوف جدية بشأن تجريم الدعم المدني لغزة، ويندرج ضمن نمط إقليمي أوسع لقمع النشاط المؤيد لفلسطين.
وأوضحت “ميدل إيست آي” أنها تواصلت مع وزارة الخارجية في الحكومة الليبية بشرق البلاد للحصول على تعليق، لكنها لم تتلق رداً حتى وقت النشر.
وفي بيان صدر يوم الخميس، قدمت «منظمة صمود المغاربية»، وهي إحدى الجهات الأساسية المنظمة للقافلة، ما وصفته بأنه «توضيح» بشأن أحداث الأسبوع الماضي. وقالت المنظمة إنه «بعد تقييم شامل للواقع الميداني والإنساني والأمني، تقرر عودة جميع الوفود والمشاركين إلى بلدانهم، مع بقاء عدد محدود من مسؤولي القافلة لمتابعة تسليم المساعدات الإنسانية ومواصلة الجهود القانونية والدبلوماسية المتعلقة بالمحتجزين العشرة».
وأكدت المنظمة أن «قافلة الصمود العالمية، منذ انطلاقتها، لم تكن مشروع مواجهة مع أي طرف، بل مبادرة مدنية إنسانية مستقلة تحمل رسالة أخلاقية للتضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة في مواجهة الحصار والتجويع والانهيار الإنساني».
وبين هدفها الإنساني المعلن وتعقيدات الجغرافيا السياسية الليبية، انتهت رحلة القافلة عند مشارف سرت لا عند بوابة غزة، فيما بقي مصير المحتجزين العشرة اختباراً جديداً لقدرة الدبلوماسية والضغط الحقوقي على تفكيك واحدة من أكثر محطات حملة التضامن مع غزة حساسية وتعقيداً.
اقرأ المزيد
أطباء غربيون في قبضة بنغازي.. كيف تحولت قافلة إغاثة غزة إلى “شبهة هجرة غير شرعية” في ليبيا؟
عقارات فاخرة واقتصاد حرب.. كيف تلاحق تقارير الأمم المتحدة شبكات أحمد جاد الله المالية في ليبيا؟
قرصنة في المياه الدولية.. كيف حاصرت البوارج الإسرائيلية “أسطول الصمود العالمي” قرب قبرص؟

